عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

163

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

يبقى مع ذلك الآخر إلا بحظ النفس ، فيصير ضحكة للشيطان وعبرة للسالكين . اللهم إلا أن يرى الشيخ بعد الانعقاد فيه صلاحية بتربية غيره فيدفعه إليه ، أو يرى قبل الانعقاد أن اللّه تعالى ينتجه من غيره ، ويرزقه الكمال من آخر ، فلا يتصرف فيه بل يشير إليه قبل التصرف ليستعد بخدمة من رزق منه . كما يحكى عن الشيخ أبي القاسم القشيري ، أنه أشار إلى الشيخ أبي علي الفارمذي بملازمة خدمة الشيخ أبي القاسم الجرجاني ، - قدس اللّه أرواحهم - . الشرط الثامن : ترك الاعتراض على اللّه سبحانه وتعالى ، فإن من لوازم أمر المريد : أن يغتسل وينوي في غسله أنه غسل الميت ، فيكون بين يدي اللّه سبحانه كالميت بين يدي الغاسل ويسلم لرب العالمين . ألا ترى إلى النبي - صلى اللّه عليه وسلم - كيف كان يدعو كل ليلة عندما يضع جنبه على الأرض لاستراحة النوم ويقول : « اللهم إني أسلمت نفسي إليك وفوضت أمري إليك وألجأت ظهري إليك » « 1 » الحديث ، فكذلك المريد : يسلم نفسه إلى اللّه فلا يعترض على اللّه البتة فإن رزقه بسطا شكره عليه ويتيقن أن الباسط هو اللّه ، وإن ابتلاه بقبض شكره عليه أو صبر فيه ويتيقن أن القابض هو اللّه تعالى ، فإن مثل المريد مع اللّه كمثل المريض مع الطبيب ، فإذا تيقن المريض أن الطبيب عالم بدقائق الطب مشفق على حاله فوض أمره إلى رأيه ، وترك الاعتراض عليه ، فإذا سقاه الحلو قبله وشربه وإن سقاه المر قبله وشربه ، وعلم أن الحلو في وقته أنفع من المر والمر في وقته أنفع من الحلو ، فكذلك المريد إذا تحقق عنده أن اللّه لطيف بعباده رحيم عليهم ، رؤوف بهم ، وأنه سبحانه لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ، وتيقن أنه ظالم على نفسه ساع في هلاك قلبه وروحه ، جاهل بما فيه فوزه ونجاته أو هلاكه وشقائه فوض أمره إليه واستسلم لقضائه ، فإذا طيب وقته ورزقه البسط شكره وتيقن أن شقاء قلبه ومعالجة مرضه به ، فإذا ضيق الأمر عليه وابتلاه بالقبض شكره وتيقن أن صحة قلبه يتعلق به ومعالجة مرضه في ذلك الوقت مستورة فيه : وكلت إلى المحبوب أمري كله * فإن شاء أحياني وإن شاء أتلفا قال اللّه تعالى : وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( 216 ) [ البقرة : 216 ] فإذا استعد بالتسليم في الابتداء بلغه التسليم إلى كمال العبودية في الانتهاء .

--> ( 1 ) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه ، باب ما يقول الرجل إذا نام . . . ، حديث رقم ( 26526 ) .